الغزالي

197

فضائح الباطنية

وحكى أنه دخل رجل عل عبد الملك بن مروان وكان يوصف بحسن العقل والأدب . فقال له : عظني ! فقال : « يا أمير المؤمنين ! إن للناس في القيامة جولة لا ينجو من غصص مرارتها ومعاينة الردى فيها إلا من أرضى الله بسخط نفسه » . قال : فبكى عبد الملك بن مروان ، ثم قال : « لا جرم لأجعلن هذه الكلمات مثالا نصب عيني ما عشت أبدا ؛ وحكى عن عمر بن عبد العزيز أنه قال لأبى حازم : عظني ! قال : « اضطجع ثم اجعل الموت عند رأسك ، ثم انظر ما تحب أن يكون فيك تلك الساعة فخذ به الآن ؛ وما تكره أن يكون فيك تلك الساعة فدعه الآن ، فلعل الساعة قريبة » . وحكى أن أعرابيا دخل على سليمان بن عبد الملك ، فقال له : تكلم يا أعرابي ! فقال : « يا أمير المؤمنين ! إني لمكلمك بكلام فاحتمله ؛ وإن كرهته فإن وراءه ما تحب إن قبلته ، فقال : يا أعرابي ! إنّا لنجود بسعة الاحتمال على من نرجو نصحه ونأمن غشه ، فقال الأعرابي : إنه قد تكنفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم فابتاعوا دنياهم بدينهم ، ورضاك بسخط ربهم ؛ خافوك في الله ، ولم يخافوا الله فيك ؛ حرب للآخرة ، سلم للدنيا ، فلا تأمنهم على ما امتحنك الله عليه ، فإنهم لن يألوا في الأمانة تضييعا وفي الأمة خسفا وعسفا ؛ وأنت مسؤول عما اجترحوا وليسوا بمسئولين عما اجترحت ؛ فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك فإن أعظم الناس غبنا من باع آخرته بدنيا غيره . فقال سليمان : أما أنت يا أعرابي قد سللت لسانك وهو أقطع من سيفك ! قال : أجل ! يا أمير المؤمنين ! ولكن عليك ، لا لك . وقد حكى أن صالح بن بشير « 1 » دخل على المهدى وجلس معه على الفراش ، فقال له المهدى : عظني ! قال : « أليس قد جلس هذا المجلس أبوك وعمك قبلك ؟ » قال : نعم ! قال : « فكانت لهم أعمال ترجو لهم بها النجاة من الله تعالى ؟ » قال :

--> ( 1 ) صالح بن بشير المرى ، واعظ البصرة ؛ روى عن الحسن البصري وجماعة . توفى سنة 172 ه أو 176 ه .